منذ سنوات بعيدة لم أكن أحب النبي..

منذ سنوات كثيرة لم أكن أحب النبي..
في سنوات الدراسة الأولى كان علي أن أحبه، يحكون لنا عن سيرته وكيف مات والده ثم أمه ثم جده، لم أكن أفهم وقتها معنى للموت، كان الموت عندي عبارة عن صديقتي التي دخلت غرفة العمليات لاستئصال اللوزتين ولم تخرج. كان الموت عندي مشهدًا سمعته خلسة من إحدى قريباتي عن شعر صديقتي الذي خرج من كفنها وقت الدفن وكان يلوح للجمع في وداع أخير. لم أكن أعرف _كما اعرف الآن_ معنى أن يرحل الناس، معنى يكون المرء وحيدًا.
كنت أسير في الطرقات أقدم قدمًا وأقفز بالأخرى، كنا _نحن الاطفال_ نمشي بهذه الطريقة، بالأحرى أطفال الحي، وكنت أقلدهم، أمر دائمًا على لافته مكتوب عليها: لا يؤمن أحدكم حتى اكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، كيف أحب أحدًا أكثر من والدي؟ صعب، هذا الأمر صعب. ذات مساء، جلست مع والدي أسأله لو كان بإمكانه أن يرى شخصًا واحدًا ميتًا، من يختار؟ توقعت الإجابة طبعًا، أمه أو أبيه، جدي وجدتي الذين يذكرهم دائمًا ويشرد. لكنه قال: سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم! ما هذا الحب؟ 
وقفت مرة في أحد شوادر المولد النبوي اغني ولد الهدى، قبلها ألقيت القصيدة في حفلة في معهد السنبلاوين النموذجي، متفاخرة بقدرتي على الإلقاء، لكنه كان إلقاءًا جافًا.
شيوخ القنوات صدروا له صورة مشوشة، المتشددون منهم أو مدعو التوسط، يجب أن أحب النبي لأنني يجب أن أحبه، هذا فقط ما يحكى عن النبي، غير ذلك يتحدثون عن النقاب والزكاة وإطلاق النظر والتعدد وابن حجر العسقلاني وأسماء من الصحابة غريبة علي، وتفسير الأحلام. في الصف الأول الإعدادي بدأنا دراسة السيرة، اسم النبي ونسبه كاملًا، وعلينا أن نحفظه. كله يا ميس؟ كله.. ثم ندرس الهجرة والفتح وغزوة بدر وأحد وخيبر والخندق وجلاء بني النضير وبني قينقاع، وأحفظ لأحصل الدرجات، أفهم كذلك، لكن لم أكن أشعر بشيء. 
بعد سنوات كانت سيرة النبي تعرض علينا بشكل أكثر تشويشًا وتدليسًا، الإخوان رجعوا في كلامهم وسيترشحون للرئاسة، ماذا في الأمر؟ النبي أيضًا رجع في كلامه ولم يحج وعقد صلح الحديبية. إيه دخل الدين في السياسة؟ النبي كان قائد دولة. فشلوا في السياسة؟ النبي قال أنتم أعلم بشؤون دنياكم.
التحم ذلك الوقت بالوقت الذي التزمت فيه مع الشيخ، يحدثني عن النبي، وآل بيت النبي، وسيدي أبي الحسن الشاذلي وحميثرة وأبوالعباس المرسي. كان هذا أول عهدي بالحب، حبًا خالصًا، لكنه لم ينبني على قواعد، وسرعان ما خبا الوهج، وأخذتنا المناورات السياسية القبيحة، ورجعت للخلف خطوتين.
كل هذا يمر عليّ وأنا أحبه لأن عليّ أن أحبه، إلى أن حدث شيء ما، شيء وقع في قلبي، وقعت عيني على أبيات كتبت في مدحه طمعًا في شفاعته، أخذت أرددها ليلة كاملة وأبكي، كانت ليلة باردة على قلبي. في اليوم التالي ذهبت للشيخ وقلت اسمع:
" وأقرِأه من عبدٍ تقطع قلبه 
شوقًا إلى ذاك المقام الأوحد
متضرع يرجو زيارة سيد 
قد جاء بالدين الشريف الأمجد
أزكى سلاما لا يوازن قدره 
وتحية شرفت بأشرف سيد 
يا سيد الخلق العظيم مقامه 
يا من لمن ناداه أعظم منجد "
وأصبح كل شيء مختلف بعدها، قراءتي عنه، وسماعي عنه. أنا لم أحب محمدًا الذي أرادوني أن أحبه، أحب هذا الرجل الذي فقد كل شيء وصبر، ذاك الصديق الذي كاد يدمع ويقول: دعوا لي صاحبي. أحب هذا الإنسان الوفي الذي رجع وطنه فاتحًا ومع حبه لها عاد إلى المدينة ولم ينس الفضل. أحب هذا الإنسان الملهم الذي أفضى لكل فتى بأن فيه نبيًا إن هو اجتهدا. أحب هذا السند، النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم. أحب هذا الكريم في ماله ومشاعره وتلقينه الناس الجَلَد.. أحب محمد الإنسان أولًا وأخيرًا. 
قرأت منذ سنوات رواية عن شخص مسلم لكنه عاش مع خالته المسيحية وجده الملحد، فلم يعلم عن أي دين شيء، وبعد عشرين سنة أخذته الأقدار إلى مسجد، وقف ولم يكن يفهم حركات المصلين من حوله، ولا يدري ماذا يفعل، وكيف يتحدث مع الله، فبكى! كان هذا المشهد من الرواية، وإلى الآن، أكثر ما اخترق قلبي. وأنا أحب محمدًا، سيدنا النبي، لأنه علمني كيف أفعل ذلك. 
أنا الآن أفهم! أفهم لماذا هذا الرجل عظيم، أفهم جيدًا كيف أحبه أكثر من والدي، وكيف يحبه والدي ويشتاق إليه اكثر من والديه، أفهم .. وأتمنى لو انشد ولد الهدى من جديد. أفهم وأريد أن احفظ اسمه ونسبه، كله كله. أفهم وأناديه دائمًا: يا رسول الله خذ بيدي!


تعليقات

إرسال تعليق