مئات المقالات كتبها غسان كنفاني في الأدب والسياسة، ثمانية عشر كتابًا مترجمين إلى سبعة عشر لغة أجنبية، لم تخل من تجذر قضية فلسطين ونضال شعبها، لاحقه الموساد والاغتراب والنقرس والسكري وحب غادة السمان،الأول قتله، أما الأخير فأذله. نشرت الكاتبة غادة السمان في يوليو 1992 مراسلات غرامية، شخصية بالطبع، من غسان لها، تقول في مقدمة الكتاب أن هذا لم يكن لغرض شخصي، فحتى ربح الكتاب تنازلت عنه لصالح مؤسسة كنفاني الأدبية، إنما كان بناء على رغبة غسان نفسه، إشهارا لصوته ووفاءا لعهد قطعاه سويًا أن ينشرا رسائلهما، فتنشرها بصفتها عملًا أدبيًا لا رسائل شخصية، ولنزعة نرجسية منها أن يحبها رجل مثل غسان كنفاني حسب قولها. "رسائل زمن الحماقات الجميل" هكذا تصف غادة الرسائل راقصة على فجيعة الرجل، هذا ليس غريبًا، ففي كل رسائله لها تمتزج حروفه بالذل والألم، والرجاء أن تكتب له، وأن تكف عن تعذيبه: "كفي ن تعذيبي، فأنا وأنتي لا نستحق أن نُسحق على هذه الصورة" مناضلًا بحجم غسان أظهرت رسائله الجانب الضعيف منه، الرجل الأبي الذي لم تخضعه السلطه والمال، أخضعته غادة، فيقول لها في إحدى كتاباته: "بسهولة تستطيعين أن تدرجي اسمي في قائمة التافهين، وتدوسي علي وأنت تصعدين إلى ما تريدين، ولكنني أقبل، أقبل حتى النهاية التعيسة"، "تعرفين أنني أتعذب وأغار، وتحولينني إلى مجرد تافه آخر". لم تتوقف مشاعر غسان بالدونية من غادة عند حد التفاهة، فرغم أنها زعمت في مقدمة الرسائل فخرها وتيهها برسائل غسان، إلا أنه في مجمل ما كتب لها يشعر أنه غير جدير بحبها فيقول: "متى ستشعرين أني أستحقك؟" وفي رسالة أخرى: لا أستحقك ليس لأني لن أستطيع إعطائك حبات عيني ولكن لأني لن أستطيع الاحتفاظ بك"، ربما لو كانت نشرت غادة هي الأخرى رسائلها، كان يمكن تفهم أسباب هذا الشعور.
قيس لم يكن مجنونًا وحده، أو أن قوله: "لو كان لي قلبان عشت بواحد وأفردت قلبا في هواكِ يُعذب" لم يكن جنونا أصلا، فرغم ما زاع في الوسط الثقافي وبلغ غسان وقتها أنه يحب غادة من طرف واحد، حتى قيل حرفيا "سيتعب من لعق حذائها البعيد" سألها إن كان هذا حقيقيا، إن كان ما بينهما هو الوجه الغير براق للحب، فكتب لها: "يقولونَ أنّ علاقتنا هي علاقة من طرف واحد، وأنّني ساقطٌ في الخيبة، قيلَ إنّني سأتعبُ ذاتَ يوم من لعقِ حذائك البعيد. يُقال إنّك لا تكترثينَ بي، وأنّكِ حاولتِ أن تتخلّصي منّي، ولكنّني كنتُ مِلْحاحاً كالعَلَق! يشفقونَ عليّ أمامي، ويسخرونَ مني ورائي، ويقرأونَ لي كما يقرأونَ نماذجَ للشاعر المجنون.."
ولد غسان كنفاني في عكا، وخرج منها مع أسرته لاجئًا إلى لبنان ثم إلى سوريا، يعرف معنى فقدان الوطن، لكن يبدو أن فقدان فلسطين يعدل فقدان غادة عنده، فيقول لها: "إذا بدلك شيء ما في لندن، ونسيت ذات يوم اسمي ولون عيني، فسيكون ذلك موزيا لفقدان وطن. وكما صار في المرة الأولى، سيصير في المرة الثانية: سأظل أناضل لاسترجاعه". غسان الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كان يناضل في معركتين، واحدة لاسترداد القدس وواحدة لاسترداد غادة: "إن كان علي أن أناضل من أجل استرداد الأرض فقولي لي أنتِ أيها الجنية التي تحيك كل ليلة كوابيسي، كيف أستردك؟" الفلسطيني المقاوم لم يبكِ أيام الجوع والعطش، لم يبك حين انهالت السياط على جلده، لكنه يبكي في غربته شوقا لحبيبته البعيدة، التي مع هذا الحب وصفها بجهنم التي يشتاق لها. "عزيزتي غادة.. يلعن دينك!" غسان يكتب ويكتب، و غادة لا تجيب، حتى طفح كيله منها حين كان مسافرًا مع صديقه سليم اللوزي وأخيره أن غادة السمان تراسله وأخيه، كما أخبره أيضا كمال طعمه عن مراسلاتهم. فكتب إليها : "عزيزتي غادة يلعن دينك! ما الذي حدث؟ تكتبين لكل الناس إلا لي؟معلش! ولكن انتبهي جيداً لما تفعلين: ذلك سيزيدني تعلقاً بك !"
تعليقات
إرسال تعليق