ثلاث حكايات غير مروية عن النبي موسى

 قبل ثلاثة آلاف سنة، تحديدًا في مصر، استيقظ الفرعون فزعًا في الفجر على إثر كابوس مريع، وعلى وجه السرعة أرسل في طلب كل الكهنة والمفسرين، وقص عليه المنام: رأيت كأن ناراً آتية من بيت المقدس، دخلت كل بيوت مصر وأحرقتها بمن فيها، لكنها تركت بني إسرائيل!

تشاور المفسرون فيما بينهم، واستنتجوا تأويلًا واحدًا، يولد من بني إسرائيل طفل حين يكبر سيحررهم من عبوديتهم، ويتسبب في هلاك الفرعون.

بينما كان فرعون يقتل كل الأطفال الذكور من بني إسرائيل، كان نهل يحمل الطفل موسى إلى قصره لتلقطه يد ابنته ويقرر الملك وزوجته أن يتخذوه ابنًا لهم، ولم يكن يعرف أن الإبن الذي تربى في بيته سيتسبب ذات يوم في إغراقه وتحرير بني إسرائيل من عبوديتهم له.
إليك ثلاث حكايات عن الرضيع الذي قاد رحلة الخروج..

كليم الله لا يستطيع الكلام..

طبقًا للأسطورة المختلطة بالخيال الشعبي فإن الملاك جبريل تخفي في صورة أحد مستشاري الفرعون لإنقاذ موسى، واقترح على الملك وضع قطعة من الذهب وفحمًا مشتعلا أمام الطفل، فإن كان هو الطفل الموعود فبالطبع سيختار الذهب!


أجرى الملك الاختبار، لكن جبريل لم يترك للطفل أي خيار، فوجه يده ليمسك بالفحم المشتعل ويضعه في فمه، بهذه الطريقة قتلت شكوك الملك، إلا أن هذه الحادثة ستترك أثرها على لسان موسى للأبد.

 عانى موسى بسبب حرق الفحم للسانه من اضطراب في الكلام، والذي يُفسر على أنه مشكلة في نطق الأصوات بالأخص صوت حرف السين كما يوضح موقع Chabad.org مما جعل كلماته غير واضحة.

لسيجموند فرويد تشخيص مختلف لموسى، فيرى أن الشخص الذي تربى في بيت فرعون من الطبيعي أن يتكلم بالمصرية ولا يمكنه أن يتحدث العبرية، لذلك احتاج إلى أخيه هارون كي يخاطب بني إسرائيل.

لهذا التفسير قرينة، فسنين موسى المائة والعشرين تنقسم إلى ثلاث أربعينيات، في الأربعين الأولى تحدث باللغة المصرية وتعلم الهيروغليفية على يد "باتيا" المختلف في كونها أمه بالتبني أو أخته، أي ابنة الفرعون، وفي الأربعين الثانية تعلم لغة أهل مدين وفي الأربعين الأخيرة تكلم العبرانية، أي أن موسى يعرف ثلاث لغات، لكن ربما لم يتحدث أي واحدة منهم بطلاقة.


موسى لديه قرون!

في عام 1505 تم تكليف الرسام والنحات الإيطالي مايكل أنجلو من قبل البابا يوليوس الثاني بعمل تمثال للشخصية التوراتية الأولى: النبي موسى. الغريب أن التمثال الذي يقع في كنيسة سان بيترو في روما لديه قرون! فمن أين أتت الفكرة؟ ولماذا اختار مايكل أنجلو هذا الشكل تحديدًا لتجسيد النبي موسى؟

لمئات السنين ظنَّ الناس أن موسى لديه قرون فعلا. التفسير المنطقي لاعتقاد الناس بهذه الأسطورة هو خطأ غير مقصود في ترجمة التوراة؛ فالكلمة العبرية (qaran) التي تعني مشع أو ساطع، والتي قُصد بها أن تصف موسى بأنه "مشرق الوجه"، هذه الكلمة قريبة من كلمة (qeren) والتي تعني قرون.

لسوء الحظ اختار القديس "جيروم"، بدون قصد، المعنى البعيد عن السياق أثناء ترجمته للكتاب المقدس إلى اللاتينية. اختار "جيروم" كلمة القرون لتُعبِّر بالرمز عن القوة والسلطة وفهمها الناس حرفيًا بأن النبي موسى امتلك قرونًا حقيقيّة.
وبالرغم من تطور حركة الترجمة وثبات خطأ الخلط بين (qaran) و(qeren) لا يزال بعض العوام في الغرب يعتقدون في الأسطورة، ويظنون أنه هو نفسه "ذو القرنين" الذي ذكر في الإنجيل والقرآن.

 



زواج موسى من امرأة نوبية..حادث عنصري في النبي:
لما بلغ موسى أربعين سنة، وكان يمشي كعادته في شوارع طيبة، وجد رجل مصري يضرب عبدًا من بني إسرئيل، وحين طلب النجدة دفع موسى الرجل المصري وضربه فأرداه قتيلا، ولما ذاع الخبر هرب إلى مدين وهناك قابل نبي الله شعيب وتزوج من ابنته صفورا.
صافورا، صاحبة الإسم الذي يعني العصفورة الصغيرة، عاشت معه في مدين، كا صاحبته حين عزم على العودة لمصر، وكانت معه في طور سيناء حين رأى قبس النور وصعد الجبل المقدس، كما دخلت معه مصر، وخرجت معه كذلك، لكن حين أصابهم الشتات، كانت كبرت في العمر وانتهت مهمتها معه، فماتت قبل أن تتنتصف رحلة الخروج.
بعد سنوات تزوج موسى من امرأة كوشية سمراء، وكوش هو اسم مملكة قديمة ضمت النوبة وجنوب إثيوبيا في القرن السابع عسر وأوائل القرن السادس عشر قبل الميلاد، وكان قدماء المصريين يشيرون إلى الأفارقة السود في حدودهم الجنوبية باسم "كوشو" أو "كوش" لكن الزوجة السمراء كانت شخصية ثانوية في الكتاب المقدس كغيرها من الشخصيات النسائية التي يسكت صوتها الرواة ولا يشير لأي قول على ألسنتهم.



لم تكن عنصرية بني إسرائيل ضدها تتمثل فقط لأنها امرأة، بل لاختلاف عرقها ولون بشرتها، وأول المعترضين على هذه الزيجة هما إخوة موسى: هارون ومريم، سجل الكتاب المقدس أول حادثة عنصرية في بيت محرر العبيد، على إثرها عوقبت مريم بالبر، لكن موسى صلى ودعا الله لها بالشفاء وتعافت بعد سبعة أيام.

 علماء الكتاب المقدس الأمريكيين لنفي هذا الحادث العنصري يقولون أن الزوجة الثانية لم تكن سمراء، لكن هي نفسها صافورا، ويرون أن كوش هي مجموعة قبائل عاشت في مدين، لكدن يرد على هذا بعدة أمور.

هذا الاعتراض يرد عليه بعدة شواهد، فلم يتم وصف صافورا أو مدين في أين سجلات باسم "كوش" مطلقًا، كما أنه ليس منطقيًا أن يتذمر هارون وموسى فجأة على زواج موسى وهارن بعد مرور أربعين سنة!

الوثائق المصرية والآشورية تحدد المنطقة الجغرافية لـ"كوش" فهناك نقش يعود إلى الأسرة السادسة تحت حكم بيبي الثاني يقول أن الملك سافر جنوبًا إلى كوش وأطاح بأعدائه وعبر إلى ما أبعد من ذلك، إلى نهاية الأرض..



تعليقات