نصحتني صديقة منذ شهر تقريبا بمشاهدة فيلم "كلاوس"، في الحقيقة لم أهتم كثيرًا لأن ذوقها السنيمائي يختلف عني، إلا أن صديقة أخرى أخبرتني أن الفيلم "تحفة" وعليّ أن أشاهده، وبعد إحدى أيام العمل الشاقة قررت خوض المغامرة، وبالفعل كانت مغامرة لأن معظم الأفلام التي شاهدتها مؤخرا لم تجذبني حتى صاحبة التقييمات العالية منها، وبعد مشاهدة الفيلم كلما قابلت أحد أقول له، هل شاهدت "كلاوس"؟
الأفلام الاسبانية، التي تشهد طفرة مؤخرا، كان من ضمنها فيلم الرسوم المتحركة كلاوس الناطق بالإنجليزية من إنتاج وإخراج سيرجيو بابلوس ومن توزيع نتفليكس والذي تقدمه كعمل أصلي لها، يحكي الفيلم عن ساعي بريد مستهتر ينتمي لعائلة ثرية غضب عليه والده فأرسله إلى منطقة نائية ومتجمدة اسمها سميرنسبرغ ، وتم منحه عام واحد ليقوم بإرسال واستقبال آلاف الخطابات وإلا سيحرمه والده من الميراث، ليكتشف "جيسبر" ساعي البريد أن أهل هذه البلدة دائمي الصراعات ولا يضحكون ويعلمون أولادهم أصول النزاع ونصب الفخاخ ولا يرسلونهم للمدرسة، ولا يستخدمون بالبريد من الأساس!
الأسطورة الأولى: بابا نويل، ضخم له لحية بيضاء،ويعيش في الثلج
الملابس الحريرية والطعام الجيد والفراش المريح كانوا نصب عين "جيسبر" وأراد بأي طريقة أن ينهي مهمته ليعود لبلاده الدافئة ويعيش بين أناس طبيعيين لا يتصارعون لأسباب غير مفهومة، وبعد محاولاته العديدة العديدة الفاشلة التي كانت دائما ما تنتهي بالركل أو الضرب، وأثناء مروره على أحد المنازل المحصنة بأسلاك شائكة وكلاب حراسة ككل بيوت البلدة، وجد طفلا واقفا في الشرفة يناديه، ويطلب منه أن يعيد إليه رسمته التي وقعت منه، يجدها "جيسبر" فرصة ويطلب من الولد مال مقابل أن يضع ساعي البريد الجواب في مظروف ويلصق عليه طابع ويوصله إليه، إلا أن والد الطفل خاف من هذا الساعي الغريب على ابنه وأطلق عليه الكلاب فانطلق وبيده رسمة الطفل التي رسم فيها الطفل نفسه حزينا واقفا خلف أسوار وكأنها قضبان.
فكر "جيسبر" أن يذهب إلى كوخ بعيد يقطن به رجل عجوز ليقنعه بإرسال الخطابات واستقبالها وعندما ذهب وجد الكوخ خاليا إلا من ألعاب، الكثير من الألعاب، وبعد دقائق دخل صاحب المنزل، ضخم الجثة، كثيف اللحية، ويحمل في يده فأسا، انتفض "جيسبر" فزعا من هيئة الرجل، وفر هاربا، إلا أن خطاب الطفل سقط منه، لتحمله الرياح إلى الرجل الغريب: "كلاوس"، والذي منه كما نستكشف من الفيلم أتت أسطورة بابا نويل أو سانتا كلوز.
الأسطورة الثانية: بابا نويل يوزع الهدايا على الأطفال
ذات يوم يطرق أحدهم على المنزل القديم، أو لنسمه الكوخ، الذي يعيش فيه "جيسبر"، فيفتح الباب ليجد "كلاوس" يحمل طردًا ويطلب منه بصوته الرخيم، الذي أداه الممثل J.K. Simmons صاحب الأوسكار كأفضل أداء لممثل مساعد عن فيلم Whiplash، أن يوصله للطفل صاحب الرسمه بما أنه ساعي بريد، وبعد معاناة لاختراق القلعة الحصينة التي دشنها والد الطفل حول منزله قام بتوصيل الطرد، يفتحه الولد فيجد لعبة، ضدفدع خشبي، حين أدار زنبركه وظل يقفز لامسته السعادة لأول مرة، وكذلت لمست كلاوس الذي كان يراقب من بعيد، ويذيع الولد بين باقي الأطفال أن رجلا غريبا إذا كتبت له خطابًا يبعث لك بهدية، ليجد "جيسبر في اليوم التالي عددًا من الأطفال أمام مكتب البريد يريدون مراسلة كلاوس، لكن الأزمة كانت أنهم غير قادرين على القراءة والكتابة، لذا طلب منهم "جيسبر" الذهاب الى المدرسة.
"A simple act of kindness always sparks another, even in a frozen, faraway place.”
الأسطورة الثالثة: بابا نويل لا يوصل الهدايا سوى للأطفال المهذبين
في يوم من الأيام التي كان فيها "جيسبر" يوزع الهدايا على الأطفال مع "كلاوس" وجده أن أحد هؤلاء الأطفال في أول يوم ذهب فيه "جيسبر" لهذه البلدة الغريبة نصب له فخًا، فلم يترك له الهدية، وفي اليوم التالي ذهب الطفل ليتشاجر معه لأنه يعتقد أنه من أوشى له عند "كلاوس" حينها، وبينما يقف الكثير من الأطفال، قال "جيسبر" أن "كلاوس" لا يقدم الهدايا إلا للأطفال المهذبين، وأنه يراقبهم جميعًا، كان هذا دافعًا للأطفال لأن يحسنوا من سلوكهم، فينظمون المرور، وينظفون الشوارع، ويساعدون الجيران، الأمر الذي أدى إلى أن يتواصل الجيران مع بعضهم شيئًا فشيئًا.
"A simple act of kindness always sparks another, even in a frozen, faraway place.”
الأسطورة الرابعة: بابا نويل يقود عربة تحلق عاليا تقودها حيوانات الرنة
رؤساء العائلات المتنازعة في بلدة سميرنسبرغ وبعد المنتمين لهم، لم يعجبهم الحال، بالطبع لا أحد يكره السلام، لكن ما كان يزعجهم أن الأمر يخرج من أيديهم، ليسوا المتحكمين في الأحداث، وأهل البلدة البلدة لم يعودوا عرائس الماريونت، فقرروا أن يحاولوا بكل الطرق عرقلة طريق كلاوس وساعي البريد، وبالفعل نصبوا له فخًا، بينما كان يقود عربة تجرها حيوانات الرنة بدلا من الحصان نظرا لأن الهدايا أصبحت ثقيلة، وحين اقترب من الفخ حاول تفاديه فقفز بالعربة لمسافة القصيرة، في هذه الأثناء طفلا كان يطل من النافذة ورأى هذا المشهد، وفي اليوم التالي حكى للأطفال ما رآه، كلاوس يركب عربة تطير بها حيوانات الرنة.
"A simple act of kindness always sparks another, even in a frozen, faraway place.”
الحقيقة:
في رواية زمن الخيول البيضاء للكاتب ابراهيم نصر الله، اختلف أهل إحدى القرى الفلسطينية حول أن يُرفع الصليب على الكنيسة أم لا؟ المسلمون اعترضوا لأنهم لا يؤمنون أن المسيح صُلِب، بل رفعه الله إليه، لكن أحد السكان قال أن في كلتا الروايتين هناك إنسان صُلب، وأنا حزين لأجله، فهل يهم إن كانت أسطورة بابا نويل مستوحاة من كلاوس الذي اختفى وظل يذهب بالهدايا، التي كان يصنعها لابنه الذي لم يأتِ إلى الحياة أبدًا، للأطفال في أعياد الكريسماس؟ أو من قصة حقيقية عن قديس يعييش في اليونان أو تركيا أو روسيا، ثري لكنه زاهد ويغدق بأمواله على الفقراء والأطفال؟ وهل يهم إن كان حقًا سمينًا ضحوكًا يرتدي زيًا أحمر أو أن هذا الوصف من وحي خيال شاعرًا أمريكيًا، المهم هو الإحسان، الخير لوجه الخير، هدية لأجل ابتسامة طفل، هدية كانت سببا لأن يتعلم أطفال القراءة والكتابة، هدية كانت سببًا أن يشيع الود للبلدة، ويخفف دفء الحب من وطأة برودة طقسها، وابتسامة هؤلاء الأطفال جعلت المعلمة تنفق كل مدخراتها التي احتفظت بها لتفر من البلدة وتبدأ حياة جديدة خارجها مع أناس طبيعيون، لتطوير المدرسة وشراء مستلزمات دراسية للطلاب، الأسطورة أتت من الحقيقة، والحقيقة أنه لا جزاء للإحسان إلا الإحسان.
"A simple act of kindness always sparks another, even in a frozen, faraway place.”
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق