سيدات القمر: رواية تجعل من البشر بشرًا

 لا يكون الأدب جيدًا لأنه يروي القصص المجردة فحسب، صحيح أن الهدف الأول للأدب الإمتاع والمؤانسة كما يقول أبو حيان التوحيدي، إلا أن من مسؤولية  الأدب كذلك يغير فيك شيئًا، نظرتك للأمر ما، أو للحياة كلها، وليست المتعة والأنيس بأن تكون الأحداث سريعة الإيقاع، لكن أن تترك وقعًا، فنتشي القارئ من بلاغة العبارة وجمال معناها، أو كما يقول أحمد خالد توفيق أن الأدب قد يمنحنا لحظات جميلة من الراحة وحين نفرغ منه نكون قد صرنا أكثر استعدادٍا للواقع، هذا ما يجعل "سيدات القمر" للكاتبة العمانية جوخة الحارثي من الأدب الجيد، استحقت عليها جائزة المان بوكر الدولية للعام ٢٠١٩، والتي تقدر بخمسين ألف جنيه إسترليني يتقاسمها الكاتب مع المترجم الذي نقلها للإنجليزية.


جوخة أكثر من مجرد كاتبة روائية، جوخة إنسانة، هذا ما ستكتشفة في مسيرتك القصيرة، والتي ستتمنى لو تطول، مع سيدات القمر، التي نُشرت في العام ٢٠١٠،  وفازت بالمان بوكر العالمية بعدها بتسع سنين، فانتصارًا للإنسانية، على المرء أن يرى القصة من أكثر من زاوية، في روايتنا تفعل الكاتبة ذلك مع القارئ، فيحكي أحد أبطال الرواية مشاعره وانطباعاته عن شخص آخر، والتي ما تكون في العادة سلبية، ثم ما أن تنتقل إلى فصل آخر يحكي الآخر عن نفسه، وهذا المجرم، لا أقول يتحول إلى ضحية، وإنما تعطيه عذره، تفهم مبررات أفعاله غير المفهومه، وتعلم أن كلنا بشر، كلنا ضعفاء، كلنا مساكين، وتبدو لك الحياة ،كما تقول جوخة على لسان إحدى بطلاتها، منشطرة شطرين كالليل والنهار، ما نعيشه، وما يعيش داخلنا.


أحد أهم الفصول في رواية سيدات القمر كان عن "الطاهر". رأى فيه أبويه الدين والخلق، وهبوه للفضيلة، كان له من اسمه النصيب الأكبر، «طاهر»ظاهر الطهر، صوام قوام شديد التقوى، غير أن نفسه كانت تنازعه للسرقة، يملك ما يكفيه من المال، ومع هذا، يجد نفسه يسرق من أفراد أسرته. لم يكن الطاهر قادرًا على تلك الحرب التي اشتعلت داخله، فهو الملاك الذي يرتكب ذنبًا لا حيلة له فيه، ولم يحتمل النار التي يضمرها، سره وعلانيته لم يتصالحا أبدًا، وذات ليلة، سرق عقد أمه، ودلف إلى غرفته، وأغلق الباب، مزق شرايينه، فأنهى الحرب، وأطفأ بالدم تلك النيران إلى الأبد..


جوخة الحارثي، الحاصلة على الدكتوراة في الأدب العربي الكلاسيكي من جامعة إدنبرا، أجادت بلغتها الرشيقة، ومشاعرها الصادقة، أن تحسن وصف الموت بوقعِهِ المختلف على الجميع، كيف كان نوعا من الخلاص، أو الوحدة الممزوجة بالغضب، أو الضياع، فتقول عن أم فقدت ولدها: 

«لمَّا جاءها نعي معاذ استسلمت بهدوء، وأقامت عزاء حسب إمكاناتها المتواضعه بعد أن رفض عمه مجرد تقبل التعزية به، وماتت، دون أن يشعر بها أحد، ماتت كل يوم وكل ليلة، عشر سنوات، تتنفس وتأكل وتشرب وهي ميتة، تكلم الناس وتمشي بينهم وهي ميتة، حتى أسلم جسدها روحه الميتة أخيرًا، وكف عن التظاهر بالحياة.»


ليست اللغة وعذوبتها، والوصف وبراعته، ما جعلا للرواية خصوصيتها، لكن مرورها على ثلاثة أجيال من البشر، من الرجال والنساء، التاريخ والمستقبل، وكيف تتغير الأفكار وتتطور بمرور الزمن، لم يكن التغيير الأكبر في أوضاع النساء، لكن كذلك في تفهم الرجال وصيرورتهم أكثر تفتحًا، ولو بقدر ليس بالكبير المنشود، فتفهم من سياق السرد وتتابع الحكايا كيف تكتسب الحفيدة حقوقا لم تكن لأمها ولا لخالتها أو جدتها ، زمان آخر يكون للسيدات فيه ثقافة وشغف لم يخطرا لهن قديمًا على بال، فتصير الحفيدة طبيبة رغم تاريخ أسرتها النسائي قليل العلم والثقافة، تتزوج من تحبه وبشجاعة كذلك تطلب الطلاق منه في حين أن النساء في زمن أمها كن يتزوجن دون أن ترى الواحدة منهم زوجها إلا بعد الزفاف.


يقولون أن كل عماني شاعرا بالفطرة، وأن عمان موطن الأدب، رغم هذا فإن الأدب العماني كتاريخه لا يعلم عنه الكثيرين، إلا المحليون، فكان فخرا أن تفوز هذه الرواية بجائزة عالمية تلفت الأنظار لنوع حافل من الأدب والتاريخ، والذي تعرضت الكاتبه لشيء منه هنا، فتذكر كيف كان يهاجر العمانيون قديما لمصر، كذلك  أحوال العبيد والتعليم وأحوال النساء والشؤون الاجتماعية والاقتصادية، والثقافة والدين، كل هذه الأشياء كانت جزءا من الحكاية، الحكاية التي كل الناس، كل كل الناس، أبطالا لها.





تعليقات